عين القضاة
مقدمة 98
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
الفصل السابع والتسعون ( العقل ضمن امكانيته ميزان صحيح ) إذا أخذ في وداعك الطمع البارد الذي يستولى على النظار من العلماء في الوقوف على حقائق جميع الأشياء ، وتجلّى لك حقيقة قوله - عليه الصلاة والسلام - : عليكم بدين العجائز ، فاعلم أن صبح هذا الطور قد تنفّس ؛ كما أن ابن المهد إذا صار بحيث يدرك الأوليات العقلية ، فقد طلع له صبح عقله . واعلم أن مثل العلماء في طمعهم ذلك مثل رجل شهد الميزان الذي يوزن به الذهب ، فطمع في أن يزن به جبلا مثلا ، وذلك محال ؛ وهذا لا يدل على أن الميزان ليس بصادق في أحواله واحكامه . واعلم أن العقل ميزان صحيح واحكامه يقينيّة صادقة لا كذب فيها ، وهو عادل لا يتصوّر عنه جور ابدا ؛ ومع ذلك فإذا طمع العاقل أن يزن به كلّ شئ ، حتى أمور الآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الأزلية ، كان ذلك طمعا منه في محال . واعلم أن هذا الطمع ينمحق قليلا قليلا عند اشراق نور الطور الذي وراء العقل ، كما أن نور الكواكب ينمحق قليلا قليلا عند طلوع الصبح . وفرق بين أن يودّعك الطمع اضطرارا ، وبين أن تودّعه أنت اختيارا ؛ وهذا مزلّة القدم فخذ منها حذرك . فوداع هذا الطمع ليس إلى اختيارك حتى تودّعه متى شئت ، بل هو موقوف على طلوع الصبح المشار اليه ؛ وأنت مضطر فيه شئت أو أبيت . فانمحاق هذا الطمع بالكلية موقوف على اشراق نور الشمس .